السيد محمد تقي المدرسي

122

من هدى القرآن

[ 18 ] قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً كانت شجاعة ، وكانت مؤمنة ، وعرفت كيف تتعامل في الموقف الصعب ، فتوجهت إلى ذلك الرجل قائلة : إني أعوذ بالرحمن منك لو كنت تقياً ، فحذرته من الله حتى يرتدع عما قد يريد من الفاحشة ، والاستعاذة بالله دليل عمق الإيمان ، إذ إنّ كثيراً من المؤمنين قد تذهلهم المفاجأة عن الركون إلى ربهم في الموقف الصعب ، أما مريم فلقد استعاذت منه بالله الرحمن ، فهدفت أمرين : الأول : تقوية إرادتها . الثاني : بعث الرعب في قلب الطرف الآخر . ثم ذكّرته بأنّ عمله مخالف للتقوى . [ 19 - 20 ] قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً ( 19 ) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيّاً هنا نرى أن مريم لا تزال محتفظة بكل أعصابها أمام هذه المفاجأة وهي في سن مبكر فأخذت تحاور الملك ، وتقول : إني لست متزوجة ، كما أني لست باغية ، فكيف أرزق ولدا ؟ ! . [ 21 ] قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ لأن الله قال : بأن ذلك عمل هين بالنسبة إليه ، وهدفه من ذلك هو أن يكون هذا الوليد آية له على خلقه ، ويبدو أنّ الملك العظيم حملها مسؤولية بهذا القول ، إذ بيّن لنا أن عليها أن تتحمل صعوبة الحمل والولادة ، وتهم الناس وما أشبه من أجل هداية الناس ، لأن وليدها سوف يصبح آية الله على الناس . وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا بالإضافة إلى ذلك فهو رحمة للناس ، علمه رحمة ، ورسالته رحمة ، وأعماله رحمة ، ولعلّ الملك العظيم هدّا خاطرها بهذه الكلمة ؛ فإن آيات الله قد تكون من نوع آخر ، بينما وليدها المنتظر سيكون رحمة للناس ولها أيضاً . وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً وانتهى جبرائيل الملك الذي تمثّل لمريم في صورة بشر سوي من الإجابة على تساؤلات مريم ، وقال : إنّ ذلك أمر من الله ، أما كيف يحدث هذا ؟ ولماذا يحدث ؟ هذا أمر قد قضاه الله سبحانه وتعالى وقدره .